الشيخ محمد الصادقي الطهراني
418
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
التسليم الرسالي لرب العالمين وحسنات الأبرار سيئات المقربين - لذلك أدركته العصمة الربانية كيلا يقع في محظور ذلك السؤال - وإن لم يكن محظورا ككلّ في شرعة اللّه - فنهاه ربه عنه فضلا عما علاه من سؤال التأنيب ! قائلا : « فَلا تَسْئَلْنِ . . » وفيه انعطافة عطوفة من ربه عليه ، نهيا عن أمثال هذا السؤال التي قد تشير إلى عدم التسليم لرب العالمين ، فلم يسأل ولم يجهل . وليس النهي عن فعل دليلا على واقعه فحظرا عن تكراره ، حيث الأحكام الرسولية والرسالية أمرا ونهيا تترى على رسل اللّه ليحملوها لهم وإلى المرسل إليهم ، فهي لهم أوامر ونواهي بدائية دون سبق لها لكي تدل الأوامر على تركهم المأمور به ، أو تدل النواهي على اقترافهم للمحظور . وهنا النهي موجّه إلى مستقبل لذلك العرض ألّا يلحّقه بسؤال الاستعلام فلم يفعل ، ثم ولا صراحة ولا لمحة أنه سأل ما ليس له به علم أيسؤال من ذي قبل ولا بعده ، فقبله عرض وبعده : « رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ . . » واللّه يعيذ المستعيذ به الصادق ولا سيما رسله ، وقد أمر الرسل على درجاتهم كما أمر رسول الهدى صلى الله عليه وآله على عصمته القمة : « قُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ . . » « قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ . . » « قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ » وما أشبه من قول . لذلك لم يؤنبه ربه لا من قبل ولا من بعد ، اللّهم إلّا بخطابه الحنون المنون : قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ ( 48 ) . هنا السلام والبركات ينزل على هؤلاء ، وترى كما أن نوحا والذين آمنوا معه يستحقونها ، فهل - كذلك - تستحقها « أُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ » ؟ كلّا ! لمكان الاستئناف في « أمم » رفعا ، فلا سلام عليهم ولا بركات ولا هم من أهل النجاة ، ولم يكونوا وقتئذ معهم في الفلك - إلّا في الأصلاب والأرحام - حتى تشملهم سلام وبركات ، أم هم